الشريف الرضي

282

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

والجهاد ، ولم يرد تعالى بذلك أن هذا الاملاء ليس بخير جملة ، وأنه ضرر ولا نفع فيه بتة ، لان معنى خير في قول القائل : هذا خير لزيد ، لا بد من أن يكون معناه في اللغة أنه خير لزيد من كذا ، لان معناه في العربية هو أفعل ، وكذلك لو قيل : هذا شر لزيد ، كان يجب أن يكون شرا له من كذا ، لان المراد به كالمراد بالأول ، وإنما حذفت همزة افعل منه على سبيل الاستخفاف اصطلاحا على غير قياس ، ومعناهما على الحقيقة إنما هو أنفع وأضر ، فكما لا يجوز أن يقول القائل : هذا أنفع لزيد ، إلا والمراد به أنفع له من كذا ، ولا هذا أضر لزيد إلا والمراد به أضر له من كذا ، فكذلك أراد تعالى أن الاملاء ليس بخير لهم من أن يموتوا في الحرب شهداء ، أي ليس بأنفع لهم من ذلك ، فكما لو قال تعالى : ( ليس بأنفع لهم من أن يموتوا في الحرب ) لم يدل ذلك على أن الاملاء ليس بنفع ، فكذلك لا يوجب ألا يكون هذا الاملاء خيرا ، كما لا يوجب ألا يكون نفعا ، وإن كان ليس بخير مما ذكرنا ولا أنفع ، فإنه أيضا خير ونفع ، لأنه من نعم الله عليهم وإحسانه إليهم ، وقد يجب عليهم أن يشكروا الله سبحانه عليه ، والشكر لا يجب إلا على نعمة ، والنعمة لا بد من أن تكون خيرا ونفعا . قال وإنما بين الله سبحانه بقوله : ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) المعنى الذي من أجله لم يكن الاملاء خيرا لهم من أن يموتوا ، كما مات المؤمنون في الحرب ، وهوانهم يزدادون عند إملاء الله سبحانه لهم إثما ، فلذلك لم يكن الاملاء خيرا لهم من أن يموتوا في سبيل الله كما مات المؤمنون